كونوا قريبين بقلوبكم
كونوا قريبين بقلوبكم.
طفل كزهرة مبللة بالندى الصباحي، ملاك جميل.. يقف حائرا يسأل أخاه الذي لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره، وهما يقفان وسط ساحة خالية من الناس في روما:
— أين ذهب أبي، وأين ذهبت أمي؟ يتبادلان النظرات التائهة، ويأتي الجواب من أخيه: — ذهبا إلى السماء.
ينظر الطفل الصغير إلى السماء ويضع يديه حول فمه وينادي: بابا، بابا. ويكرر النداء.. لكن الموت لا صدى له في زمن الكورونا.
من لهذين الطفلين والشوارع خالية والأبواب مغلقة، في زمن الخوف والصمت الذي يأكل الأحلام ويبددها؟
من يحمي من؟
سيبقى الطفل يرسل مناداته للسماء.. والسماء بعيدة، ولا صدى لصوته سوى شوارع مغلقة وبيوت حزينة، وناس يسكنها الخوف.
— ابتعدوا عن بعضكم.
— ولمن نترك أحبابنا وأغنيات عشاقنا؟ لمن نحكي قصص حبنا ونترك ضفاف أحلامنا؟
فيأتي الجواب وكأنه الهمس: كونوا قريبين لبعضكم بقلوبكم.
ربما أوشك الطفل على السؤال: هل الله ترك هذا المكان؟
سينادي وينادي إلى أن تتيبس شفتاه وتتلعثم كلماته ويضيع الصوت والصدى، فالسماء مازالت بعيدة.
فالموت عادة لا يأتي متأخرا أبدا. هي لعبة إذن تبدأ بصرخة أولى تعلن المجيء، وتموت الصرخة في نهاية الرحلة، وكأن الحياة حلم يوقظنا منه الموت.
ما الذي غير كل ما كنا عليه وجعلنا نهرب ونحتمي بالكمامات ونبتعد عن بعضنا، ونترك حتى بيوت الله يؤذن فيها: “صلوا في رحالكم”؟
أين مشاريعنا وأموالنا وفقرنا وتقوانا وفضائع أعمالنا؟ كلها لم تنجنا، وذهبنا نختبئ في بيوتنا عسى أن نجد أمنا، وبدأنا نسخر من حالنا ونسائنا وما آلت إليه مصائرنا.
بعضنا سخر مما نحن فيه وتحدث عن مؤامرة كبرى، وآخرون صبوا جام غضبهم على طعام رديء تسبب في هذه الفوضى، وآخرون راحوا يبحثون عن دلالات بأننا نعرف المرض من زمان بعيد.
ونسينا ناسا بلا مأوى، وبيوتا بلا طعام، ومرضى بلا دواء، وأطفالا بلا مدارس، وأناسا فقدوا أعمالهم ومصدر رزقهم.
الخوف فرقنا مثلما فرقنا الفساد وسوء الإدارة وسراق البلد والتبعية للآخرين، ونسينا الوطن وأهله.
من للجائعين والساهرين من الجوع؟ من لهم وبعضنا يوزع عليهم فتات الموائد لكي يصورهم فقراء مساكين وينشر صورهم وهم يتلقون هباته؟
ألا يا سخريات الأقدار ويا سوء العمل. ما هكذا نتراحم فيما بيننا. من أعطى بيده اليمنى لا تعلم بها اليسرى، هكذا هو عرف العطاء، وليس التباهي وإظهار العوز.
ويبقى السؤال: كيف نمد اليد للمحتاجين والجائعين؟ ألسنا بحاجة إلى أن نخرج من قوقعة الخوف إلى عمل تطوعي مخطط له ومبني على معلومات عن المحتاجين والمتعففين كل في منطقته، لكي نمد لهم يد العون، ما دام ولاة الأمر لا يمنحون المال حتى لصحة الناس وحياتهم، ومازال البعض منهم يفضل رقصة الجوبي والولائم للمطبلين على حتى مجرد التفكير بحاجة الآخرين؟
من يبدأ الخطوة الصحيحة؟ ذلك هو السؤال.
فالدعاء لله لا يجد صدى ما دمنا لا نغير ما بأنفسنا من سوء ونظرة دونية لإنسانية بعضنا، وما دام فينا سراقا ولصوصا وقتلة وعبيدا، وما دام الخوف بالسكوت عن الحق يعشعش في صدور آخرين.
لكن تبقى صرخة المظلوم أقرب إلى السماء.
اترك تعليقاً