سأخبر الله بكل شيء
سأخبر الله بكل شيء.
العالم مغلق، ومدن تحتضن روحها، وطيور خافت أن تغادر أعشاشها. وتساقطت ذرات المطر متثاقلة على أوراق الشجر الذي تكاسل أن يحتفظ ببراعمه الجديدة وتفتح أزهاره. وبقيت أمواج البحر هادئة بعد أن فقدت صخب الموانئ وزقزقات طيور النورس، وسفن تاهت بين موانئ ترفضها.
The World is Closed. Go Home.
ابق في بيتك، فليس هناك حبيبة تضمك إلى صدرها، وما عادت أغاني العشق لها صدى. وراح المنادي ينادي: ابقوا في بيوتكم، اتركوا آباءكم وأمهاتكم، لا تخالطوا كبار السن فالموت قريب منهم.
يقف الكبار مذهولين أمام انتظار لحظة الوداع بلا وداع. وتتواصل قوافل الموت في مدن كانت جميلة وبدت الآن مصابة بالذهول، حتى أنها تركت أهلها يمضون بلا وداع.. موت بلا وداع يربكه الخوف.
نسي العالم جبروته وقوته الغاشمة وراح يبحث عن كلمات في قصيدة لفيلسوف روماني يقول فيها: نحن أمواج من نفس البحر، وأوراق من نفس الشجر، وأزهار من نفس الحديقة.
لكن الصدى يأتي من بعيد:
الآن أربككم الخوف.. كنتم تتقاتلون وتتقاسمون الغنائم وتسرقون، وتهدمون مدنا على أهلها بصواريخكم وطائراتكم وبراميلكم المتفجرة، وتحتلون مدنا وبلدانا وتشردون أهلها.. هل تذكرون ذلك الطفل الذي فقد أهله تحت ركام قصف طائراتكم؟ هل تذكرون ما قاله قبل موته: سأخبر الله بكل شيء. وقد أخبره.
وغاب المعنى عن القصيدة، وها هو الموت يبعد الآباء والأمهات عن أبنائهم، ويحملهم في صناديق بلا كلمة وداع أو نظرة حب.
The World Is Closed.
وبقي حائرا ينتظر رحمة السماء، بعد أن فقدنا قوة المواجهة على الأرض. إنه الخوف يجعلنا مرتبكين، مشتتين ومحتارين. نحن خائفون لأننا لم نتذوق كل الجمال في حياتنا.. إنها دورة الخوف جعلتنا نرفع أيدينا، لا حول ولا قوة، نغلق شبابيك بيوتنا ونخزن أمتعتنا لرحلة لا نعرف مداها ووجهتها.
إنه زمن الكورونا: اغسلوا أيديكم وتباعدوا عن بعضكم.
ولكن قبل أن تغسلوا أيديكم، طهروا عقولكم التي غابت عن وعيها، ومشيتم بلا رؤية. نسيتم الحب وأحللتم الموت والقتل والفساد والجهل والخراب في دياركم.. قتلتم الأطفال ورملتم النساء ونهبتم المال.
والآن تنتظرون رحمة من السماء؟
فلترحمكم أموالكم السحت وأفعالكم الدنيئة. فالسماء لا ترحم من لا يرحم. والسماء للفقراء والمشردين والمقهورين الذين لا مأوى لهم وتتوهج أرواحهم بالحب والعطاء.
لقد وصلت الرسالة، عسى أن تتعظوا.
اترك تعليقاً