عادل إبراهيم

كاتب وروائي وصحفي

مدونة

لا أحد يسمعك

الأضاءة كانت مزعجة لكثرة المصابيح ، والجدران بيضاء ، لكنها لم تغير شيئا من الاحساس بقتامة المكان رغم اتساعه. في الصالة يجلس شاب يرتدي قميصا فضفاضا ملونابالزهور وبنطلونا ابيض ويعتني بتسريحة شعره، ورغم الصخب الذي حوله إلا انه يحافظ على هدؤه وربما عدم اهتمامه بما يجري حوله، فهو معني اولا وأخيرا بتسجيل أسماء المرضى وادخالهم للطبيب . في الصالة تتغير ملامح وجوه الحاضرين ، وكل يعيش لحظته ، بعضهم يبتسم ،وأخرى تضحك بصوت يسمعه الجميع ، واخرى تبكي ، واخرون تبدو نظراتهم حاده ويسكنهم الصمت. يدخل رجل طويل القامة حاد الملامح:

  • وين وصل السره؟ -للان رقم 6
  • كم واحد مسجل عندك
  • تسعه وعشرون هز يده وخرج ،وبعد لحظات عاد
  • وين وصل السره؟ لايتلقى اجابه ،ينظر الى الجالسين :
  • كونوا قريبين لبعضكم بقلوبكم..الحياة مثل مزحة يجب ان نتعلم الضحك عليها،والمغفرة تطهر الروح. لايتلقى ردا من أحد ،الوجوه بلا ملامح ، لكن امرأة عجوز ردت بعد صمت:
  • اجلس وسجل اسمك ، واترك الكلام ،لاأحد يسمعك. بقيت نظراته حادة وهو يستمع للعجوز ، لكنه بقي يردد:
  • يجب ان نطهر قلوبنا ،وإلا خسرنا كل شيء. بالقرب من العجوز تجلس فتاة شابة لم تتجاوز العشرين عاما من عمرها إلا بقليل.شعر اسود ينسدل على كتفيها وعينان فقدتا بريقهما رغم جمالهما مكحلتين بدون كحل ،ترتدي بنطلونا بنيا وبلوزة خضراء غامقة. كنت ابحث عن جواب عندها هل هي ترافق العجوز ام ان العجوز ترافقها؟
  • لاعلاقة لي بالعجوز ، انا وحدي. بدأت الدموع تنساب من عينيها.
  • لماذا تبكين ؟
  • لاأدري ،دائما ابكي ،فالماضي والأمس يطاردني كأنه قطيع من ذئاب.. تفاصيل الأمس تلاحقني في يومي ،أعذب نفسي بسببها وتظل تسيطر على عقلي،ولا أستطيع الهروب منها.
  • هل اخطأت بشيء مهم؟
  • لا ..لكن التفاصيل تلاحقني تخنق روحي وتبكيني.
  • لاجدوى من تعذيب النفس من أجل الماضي ، اتركي الحياة تعبر كما تفعل الأمواج ،كما يقول زوربا.
  • أنا اغني وصوتي جميل وماهرة في الطبخ وفي ابتكار طبخات متنوعه.
  • إذن غني وأطبخي وأضحكي وعيشي الحياة بدون تجميل أو تفاصيل.
  • كيف وأنا تحاصرني التفاصيل. حملت حقيبتها اليدوية وأختارت كرسيا بجانب السكرتير . فجأة تدخل شابة طويلة ترتدي بنطلون جينز وبيدها سيكارة اليكترونية تضعها بين شفتيها المتوردتين وتطلق دخانا برائحة عطرية ،وترافقها فتاة اخرى..وتبدأ بالرقص في وسط الصالة وتردد:
  • الحياة سيكارة ورقص تسأل واحدا من الجالسين :
  • هل ترقص معي؟ فيجيبها : عندما انظر اليك أرى إن الحياة قد فاتتني .
  • أنا فراشة تنجذب الى النيران. تدخن سيكارتها الألكترونية وتنفث دخانها ، ثم تهدأ وتموت الضحكة بين شفتيها ويغادر البريق عينيها ليحل الصمت. لكن أمرأة تكسر الصمت : كرهت الأنتظار ، طريق عودتي طويل وموحش ، وأنتم تكرهونني ، وجوهكم بائسة ، أريد أن يحضر كل العالم أمامي ،لأقول له لماذا انا خائفة ،لماذا صرت بهذا الحال. يستمر السكرتير بالمناداة على الأسماء للدخول للطبيب،دون أن يبدي أهتماما بما يجري في الصالة. لكن الفتاة الطويلة تعاود الرقص وتردد:
  • هذا العالم ليس إلا غرفة لأنتظار العالم الاخر. ثم تقذف بجسدها الى غرفة الطبيب بلا أنتظار وبصمت يلف الجميع. ينظر الى عيون الجالسين وملامح وجوههم ويتذكر إنه تحت خبايا النفس دائما هناك اسرار ، ونحن لانكون كما نتحدث عن أنفسنا ، وعندما نظن إننا فهمنا كل شيء نقع في الخطأ..فما الحياة إلا مجرد حلم نحاول أن نمسك به ،وإلا فلا أحد يسمعك عندما تصرخ.

تعليقات المنشور الأصلي

أرشيف التعليقات كما وردت على المنشور على فيسبوك. المنشور الأصلي

  1. عبد الامير الديراوي
    سرد رائع وممتع سيد الحرف الذي عودنا على كل المفردات الجميلة رغم الألم الذي يحيط بالحالة التي يطرحها دمت بهذا الألق
    1. عادل ابراهيمالكاتب
      دمت كبيرا في ابداعك ومحبتك
  2. Nawzad S Mahmood

    صورة

    1. عادل ابراهيمالكاتب
      اشتاق اليك دائما
    2. Nawzad S Mahmood
      عادل ابراهيم
  3. Mahdy Mostafa
    الله الله
    1. عادل ابراهيمالكاتب
      لك المحبة
  4. عدنان شاكر
    تشخيص دقيق لعالمنا المرعب . بورك حرفك أيها المبدع الكبير .
    1. عادل ابراهيمالكاتب
      ولك المحبة والاشتياق ..اتابع جمال ماتنشر بشوق
  5. امراة الظل
    كلمات جميله وفي نفس الوقت مؤلمه لكن لايحس بكل تفاصيلها الا الذي كتبها بإحساس ممزوج بالحب والخوف....
    1. عادل ابراهيمالكاتب
      لك المحبة ايتها الغالية
  6. Fairooz Barota

    ملصق

    1. عادل ابراهيمالكاتب
      هذا من جمال روحك
  7. مخلص امين
    تبدع
    1. عادل ابراهيمالكاتب
      وانت مبدع متميز ايها الفنان
  8. Abdulmuneim Hamandi
    جميل ،دام عطاؤك
    1. عادل ابراهيمالكاتب
      دمت كبيرا في ابداعك الشعري ونبلك الانساني
  9. عبد المطلب محمود سلمان
    يااااا سلااااام عليك صديقي الرائع الأستاذ عادل. فكرة ذهبية اختصرتها بسطور.
    1. عادل ابراهيمالكاتب
      كلماتك تسعدني دكتور عبد المطلب دمتم كبيرا في ابداعك ووفاءك ونبلك
  10. Husam Ibrahim
    لقد رسمت لوحة انسانية بكلمات تنبض بألالم والحقيقة. دمت جميلا ومبدعا
    1. عادل ابراهيمالكاتب
      هذا من جميل مشاعرك ايها العزيز
  11. عبد العظيم محمد
    الله عليك ايها المبدع الكبير وانت ترسم الجمال من خلال فكرة رائعة مشبعة بألم الوعي .. دمت متألقا ايها الصديق المحب
    1. عادل ابراهيمالكاتب
      جمال كلماتك ورصدك للمعنى يسعدني ايها الكبير.لك المحبة
  12. Aladdin Ibraheem
    لوحه فنيه مملؤه بالاحساس .أبدعت اخي العزيز
    1. عادل ابراهيمالكاتب
      دمت لي اخا عزيزا
  13. امجد توفيق
    نص معتق بخمر الحياة ورؤية تتشكل كسؤال عصي على الإجابة بوركت يا صديقي
    1. عادل ابراهيمالكاتب
      دائما كلماتك واكتشافك لعمق المعنى يكسبني معرفة مضافة اتمتع بها من نبع تجربتك الغنية ايها الكبير
  14. زيد الحلي
    سطور كلها بهاء وعمق وجمال استاذ ابو ابراهيم .. هنيئا لنا قلمك ومداده الرائع .
    1. عادل ابراهيمالكاتب
      خبرتك وعمق معرفتك المهنية ونبل كلماتك واكتشافك للمعنى يسعدني ايها العزيز
  15. رعد اليوسف العبيدي
    مقطع رائع محفوف بابداع المفردات والأسلوب .. وتعبير دقيق عن معاني الحياة التي هي فعلا غرفة ننتظر فيها الانتقال إلى الحياة الأبدية . دمت مبدعا استاذ عادل.
  16. عادل ابراهيمالكاتب
    العزيز الغالي رعد اليوسف مرورك الجميل ينثر العطر والورود ويكتشف المعني ودلالاتها وانت صاحب تجربة غنية في عالم الصحافة والكتابة ..دمت بخير
  17. Alhattab Jawad
    يا للسرد الممتع واللغة المنسابة مثل ماء يتسلل من نبع جبلي مازلت انت ذياك القاص والروائي الكبير الذي يتابع الهموم بروح رغم اوجاعها تبعث الأمل بسرية لاذعة إعجاب وباقة ورد ابو ابراهيم العذب
    1. عادل ابراهيمالكاتب
      عطر كلماتك اسعد روحي ايها الكبير والوفي النبيل ..دمت نخلة عراقية باسقة تمنح رطبها وتمرها للعشاق والسائرين الى امل جميل
  18. Emad Al Jalal
    تأمل في هشاشة النفس البشرية، في الوحدة التي تحاصر الناس حتى داخل الأماكن المزدحمة، وفي العجز عن التواصل رغم ضجيج الكلمات. كل شخصية تحمل جرحاً خفياً، وكل صوت محاصر داخل صدره… وفي النهاية يبدو العالم كله “صالة انتظار طويلة”، لا يسمع أحد فيها أحداً. سرد مشوق سحبني الى آخر سطر فيه. دمت مبدعا.
    1. عادل ابراهيمالكاتب
      شكرا لكلماتك التي تعبر عن قيم المحبة والقدرة على استنباط المعنى من النص .دمت صديقا عزيزا وكاتبا كبيرا
  19. كريم الطائي
    لوحه جميله ورائعه مملؤه بالاحساس المرهف احسنت وبارك الله فيك وحفظك،، تحياتي
  20. علي كيطان السوداني
    سرد في غاية الابداع وجمال الحرف الغائر في اعماق النفس رسم لوحة للامل والانتظار اوجزت بقلم محترف وبحروف ذهبيه دمت مبدعا وسيدا للحرف