لا أحد يسمعك
الأضاءة كانت مزعجة لكثرة المصابيح ، والجدران بيضاء ، لكنها لم تغير شيئا من الاحساس بقتامة المكان رغم اتساعه. في الصالة يجلس شاب يرتدي قميصا فضفاضا ملونابالزهور وبنطلونا ابيض ويعتني بتسريحة شعره، ورغم الصخب الذي حوله إلا انه يحافظ على هدؤه وربما عدم اهتمامه بما يجري حوله، فهو معني اولا وأخيرا بتسجيل أسماء المرضى وادخالهم للطبيب . في الصالة تتغير ملامح وجوه الحاضرين ، وكل يعيش لحظته ، بعضهم يبتسم ،وأخرى تضحك بصوت يسمعه الجميع ، واخرى تبكي ، واخرون تبدو نظراتهم حاده ويسكنهم الصمت. يدخل رجل طويل القامة حاد الملامح:
- وين وصل السره؟ -للان رقم 6
- كم واحد مسجل عندك
- تسعه وعشرون هز يده وخرج ،وبعد لحظات عاد
- وين وصل السره؟ لايتلقى اجابه ،ينظر الى الجالسين :
- كونوا قريبين لبعضكم بقلوبكم..الحياة مثل مزحة يجب ان نتعلم الضحك عليها،والمغفرة تطهر الروح. لايتلقى ردا من أحد ،الوجوه بلا ملامح ، لكن امرأة عجوز ردت بعد صمت:
- اجلس وسجل اسمك ، واترك الكلام ،لاأحد يسمعك. بقيت نظراته حادة وهو يستمع للعجوز ، لكنه بقي يردد:
- يجب ان نطهر قلوبنا ،وإلا خسرنا كل شيء. بالقرب من العجوز تجلس فتاة شابة لم تتجاوز العشرين عاما من عمرها إلا بقليل.شعر اسود ينسدل على كتفيها وعينان فقدتا بريقهما رغم جمالهما مكحلتين بدون كحل ،ترتدي بنطلونا بنيا وبلوزة خضراء غامقة. كنت ابحث عن جواب عندها هل هي ترافق العجوز ام ان العجوز ترافقها؟
- لاعلاقة لي بالعجوز ، انا وحدي. بدأت الدموع تنساب من عينيها.
- لماذا تبكين ؟
- لاأدري ،دائما ابكي ،فالماضي والأمس يطاردني كأنه قطيع من ذئاب.. تفاصيل الأمس تلاحقني في يومي ،أعذب نفسي بسببها وتظل تسيطر على عقلي،ولا أستطيع الهروب منها.
- هل اخطأت بشيء مهم؟
- لا ..لكن التفاصيل تلاحقني تخنق روحي وتبكيني.
- لاجدوى من تعذيب النفس من أجل الماضي ، اتركي الحياة تعبر كما تفعل الأمواج ،كما يقول زوربا.
- أنا اغني وصوتي جميل وماهرة في الطبخ وفي ابتكار طبخات متنوعه.
- إذن غني وأطبخي وأضحكي وعيشي الحياة بدون تجميل أو تفاصيل.
- كيف وأنا تحاصرني التفاصيل. حملت حقيبتها اليدوية وأختارت كرسيا بجانب السكرتير . فجأة تدخل شابة طويلة ترتدي بنطلون جينز وبيدها سيكارة اليكترونية تضعها بين شفتيها المتوردتين وتطلق دخانا برائحة عطرية ،وترافقها فتاة اخرى..وتبدأ بالرقص في وسط الصالة وتردد:
- الحياة سيكارة ورقص تسأل واحدا من الجالسين :
- هل ترقص معي؟ فيجيبها : عندما انظر اليك أرى إن الحياة قد فاتتني .
- أنا فراشة تنجذب الى النيران. تدخن سيكارتها الألكترونية وتنفث دخانها ، ثم تهدأ وتموت الضحكة بين شفتيها ويغادر البريق عينيها ليحل الصمت. لكن أمرأة تكسر الصمت : كرهت الأنتظار ، طريق عودتي طويل وموحش ، وأنتم تكرهونني ، وجوهكم بائسة ، أريد أن يحضر كل العالم أمامي ،لأقول له لماذا انا خائفة ،لماذا صرت بهذا الحال. يستمر السكرتير بالمناداة على الأسماء للدخول للطبيب،دون أن يبدي أهتماما بما يجري في الصالة. لكن الفتاة الطويلة تعاود الرقص وتردد:
- هذا العالم ليس إلا غرفة لأنتظار العالم الاخر. ثم تقذف بجسدها الى غرفة الطبيب بلا أنتظار وبصمت يلف الجميع. ينظر الى عيون الجالسين وملامح وجوههم ويتذكر إنه تحت خبايا النفس دائما هناك اسرار ، ونحن لانكون كما نتحدث عن أنفسنا ، وعندما نظن إننا فهمنا كل شيء نقع في الخطأ..فما الحياة إلا مجرد حلم نحاول أن نمسك به ،وإلا فلا أحد يسمعك عندما تصرخ.
اترك تعليقاً