مدونة

نص تائه

نص تائه.. رسالة وصلت إليه عبر هاتفه:

السليمانية مازالت جميلة، وهي تنتظرك.. أعرف إنك تتكاسل في موضوع السفر، ولكن لقاؤك في بغداد وما تركه من سعادة، يدفعني إلى دعوتك. ألا تعتقد معي إن بعض الناس تلتقيهم صدفة أو بمناسبة معينة ويتركون في روحك وهجا من المحبة؟ أنا أدعوك إلى اكتشاف الجمال في مدينتي.

قرأ الرسالة مرة وثانية وثالثة وتردد في الإجابة. لقد حركت أحاسيسه إلى فرح كان يفتقده.

كتب على ورقة بيضاء أمامه: تضيء نجمة في سماء حائرة، ينبلج صبح على شرفتي، شكرا لمن أهدى لي بليل نصف قمر وخبأ ما تبقى في أنيني.

شعر إن الغرفة ارتفعت به سابحة في فضاء واسع، وإن اللحظة تحمله إلى قطار مليء بالأحلام متمردا على كل صور الأيام المملة.

عاد إلى هاتفه وكتب رسالة إلى هانا:

— هل أنا أحلم؟ رسالتك مبهجة مثل رذاذ المطر عندما يدغدغ الوجه، كأنك تعطيني لحظة من دفء لأهديك عمرا من الألق.

هل أنا أحلم.. بعضنا يستطيع أن يحقق شيئا من أحلامه وآخرون تتعثر أحلامهم طليقة في فضاء واسع.. الأحلام مثل لألئ البحر، نبحر إليها وتلمع العيون عندما نمسك بها أو نعود من رحلتها بلا بريق، ولكننا نعاود السفر إليها ثانية.

منذ البدء كان الإنسان يركض وراء أحلامه. البدائيون كانوا يرون إن الأحلام كاشفة لمكنون الغيب، أسئلة ونظريات وتفسيرات شغلت العلماء والمفسرين، والجواب ليس واحدا.

الكثير من المبدعين كانت أحلامهم تقودهم إلى إبداعهم. الموسيقار آرثر سيمون وضع أغنيته المشهورة “الوتر الضائع” في حلمه، وعندما استيقظ تذكر منها المقطوعات الأولى فسجلها، أما بقية الأغنية فقد ضاعت إلى الأبد.

قصص كثيرة عن الأحلام ما تحقق منها وما ذهب، من حلم كلكامش بالخلود إلى أحلامنا الكبيرة والصغيرة في عالم يتغير كل لحظة.

سنلتقي في السليمانية.. أنا قادم يا هانا.

بدا كمن التقط ضوءا في عتمة ليل بلا قمر، وراحت مخيلته تتوضأ في هدأة هذا الليل وبأسرار رحلة بانفجار الضوء في الفجر، وبدأ نهار يكمل النهر فيه مده وجزره، ولوحات تتشكل من لون وماء ورمال وامرأة تغتسل بالضوء تتعرى في غنج العشق والجسد في تألق روحي.

ماذا تريد مني هانا؟ هل تسرعت في إجابتي.. أعرف إن السليمانية جميلة، وإن المكان هو وجهها الآخر، وأعرف إن الطبيعة ملاذ يمنحنا الحب الملون بالانتظار. وإنها تمنحنا حوارا صامتا يشي بما هو خارج الصورة. ها أنت تريد أن تقول شيئا وكأنك رجل يسبح في بحر كلمات، يمسك واحدة فتضيع الأخريات من يديه، يتمتم لكنه يفقد المعنى.

مد يده إلى جهاز التسجيل القريب منه وأدار قرص الموسيقى، وأبحرت روحه إلى أماكن بعيدة، لياليها عشق وحبيب وغناء.. ففي الليل يستيقظ الألم ليعزف الجسد موسيقى تعذب الروح، وتنهض الصرخة الأولى للحياة بعد ظلمة الجسد، ليبدأ اليوم الأول والدرس الأول: الحياة نور ولكنها تبدأ بصرخة.

أحس إنه يستمتع بالموسيقى وإن مزيدا من التوقعات والتمحيص في رسالة هانا يفسد جمالها، وهو لا يمتلك الآن سوى الوقت وهو ينفذ، وتحت خبايا النفس دائما هناك أسرار وليس وظيفته أن يفتش قلوب الناس.

اترك تعليقاً