عازف الكيتار
عازف الكيتار
هذه الذاكرة مازالت تلهو بأفكاري ومزاجي، وأنا لا أقصد الحسية التي تنتقل سريعا بين ما أراه وما أسمعه، ولكن تلك المراوغة التي تهبط على مزاجك وتفكيرك وتعيدك إلى سنوات نسيتها أو تكاد تنساها، تلك الذاكرة التي تخزن سنوات العمر وأيامه ولياليه.
ويبدو أن هذه المرة رحلت بي إلى سنوات العمر الأولى، وأخذتني إلى مدينتي الأولى وعلى ضفاف شطها..
تتابعت صور الصيادين وهم يتوزعون على الشط، في أبلامهم، كل واحد به اثنان، أحدهما يجذف ويجلس على طرف منه، والآخر يرمي الشباك ثم يبدأ بسحبها ببطء، وفي كل مرة ينتظر صيدا.. ولكن كم هي عدد المرات التي يرمي فيها شباكه بحركة نصف دائرية وتعود إليه خالية إلا من قطع الرصاص المثبتة في أطراف الشبكة؟
أمواج الشط كانت تتراقص بهدوء، والمد في أعلى مستوياته، وهناك صيادون آخرون يرمون بسناراتهم وينتظرون. الشط يداعب خيوط السنارات، وكثيرا ما يخدع بعض الصيادين فيسحبون سناراتهم من الشط ولا يجدوا شيئا لأن سمكة لعوب داعبت الطعم وراحت به بعيدا دون أن يتم اصطيادها.
سأل نفسه: من قبل أربعين سنة كانوا يرمون سناراتهم ويقودون أبلامهم بالطريقة نفسها، وينتظرون بصبر يصل إلى حد العشق للشط، وما زالوا يمارسون لعبة الصيد والانتظار.
من هنا مر السندباد، حيث ينفتح الشط على الخليج. ومنذ سنين كانت المدينة تستقبل القادمين إليها المحملين بروائح التوابل والبخور، والباحثين عن الرزق الذين كانت تأتي بهم سفن عابرة في هذه المدينة التي تمنحهم دفئها وتمرها وطيبتها. هذه المدينة مسحورة بالشط، رطبها زاد للعاشقين والجائعين الذين أنهكهم التعب، ووشمت شمسها العاشقة جباههم بسمرة تفوح منها رائحة الطلع والجمر.
ما الذي أعاده إلى كل هذه الصور غير هذه الذاكرة التي تنتقل به من حالة تعكر مزاجه إلى صور تعيد له صفاء ذهنه؟
فها هو المعلن عن فيلم الأسبوع في سينما المدينة يعزف بالناي.. رجل أسود طويل يرتدي بنطلونا أسود وقميصا أبيض يتقدم رجلين يحملان لوحة خشبية كبيرة ملصق عليها صور ممثلين وصور أخرى عن أحداث الفيلم.. بينما هو يعزف وينادي الناس لحضور الفيلم والاستمتاع بأحداثه. دور السينما كثيرة في المدينة مثلما هي المقاهي التي تنتشر على ضفاف الشط.
ذكره الناي بمحاولات والده تعلم آلة العود على يد رجل يمتهن الموسيقى والعزف ولكنه كبير السن.. وكانت والدته كثيرا ما تسأل والده: ألم يجد غير هذا الرجل الذي يكثر من العطس والكحة وشرب السكائر ذات الرائحة المزعجة ليعلمه العزف على العود؟ لكنها لا تسمع ردا سوى أن هذا الرجل عازف جيد وأستاذ في مهنته.. ولكن والدته لم تتعب يوما من تكرار السؤال ومن الطلب أحيانا أن يجدوا مكانا آخر غير البيت للعزف والتعلم.
وقتها كان هو معجبا بصورة لعازف شاب على آلة الكيتار كان يضعها قرب سرير نومه.
وهو جالس تحت تأثير ذاكرته راوده سؤال: ماذا لو كان قد تعلم العزف على آلة الكيتار؟ ربما كان قد أصبح عازفا مشهورا وأدار فرقة موسيقية كبيرة تجوب مدن العالم وتقدم موسيقى من تأليفه.
تذكر أيضا أنه بعد سنوات طويلة، وعندما كان يعمل في إحدى المؤسسات الصحفية، أهداه صديقه جودت شريط كاسيت لعازف كيتار إسباني. تخيل نفسه في قاعة كبيرة للموسيقى يقف إلى جانب فرقة موسيقية وهو يعزف على كيتاره، وعندما ينتهي من جزء من مقطوعته يتعالى التصفيق في القاعة وهو ينحني بجسده النحيل قليلا ويرد تحية الجمهور.. وفي اليوم التالي يجد صورته على صفحات الجرائد وهي تتحدث عن عبقرية هذا الجنوبي من أرض شهدت ولادة الموسيقى هناك في معابدها وقصورها.
يفرح كثيرا ويود لو أن والده ووالدته كانا موجودين ليفرحا بهذا المشهد الجميل الذي ربما كان يراود مخيلة أبيه وهو يتعلم على العود على يد ذلك الرجل العجوز في بيتهم على ضفاف الشط.
ولكنه ينتبه مجددا إلى أن ذاكرته ومخيلته تخادعه، وأحس أنه يستطيع أن يتمتع بالموسيقى وإبداعات عازفي الكيتار دون أن يترك مكانه، وأن رحلته مع عالمه في العمل كانت أكثر توهجا من بريق التصفيق في قاعات مغلقة. وأن ذاكرته تلاعبه بخزينها وهو مازال يرى أن في الكأس رشفة أخيرة وثمالة الكأس لها طعم قبلة على شفاه من كرز.
اترك تعليقاً