ماذا لو …
ماذا لو ….
دائما يشعر أنه يرتكب هفوات بحكم تسرعه أحيانا باتخاذ قراراته ومواقفه أو حتى اختياراته، ويحاول تجاوز ذلك من خلال التأكيد بأن ما حدث لن يتكرر، ولكن الأمور تحدث. وكثيرا ما سأل نفسه: لم لم يتعلم من أخطائه؟ هل هو مجبول على الخطأ؟ هو يدرك أن الإنسان خطاء، وأن التعلم من الخطأ هو الطريق إلى الراحة النفسية والهدوء.
خصوصا وأن سنين العمر تتناثر من بين يديه ولم يبق منها إلا حبات عالقة تلهو بين أصابعه المرتجفة… وهمس: لست أنا سوى رجل مليء بالذنوب والحياة تتغير، وأنا أجلس على الجانب الخاطئ من الطاولة. فلا جدوى من تعذيب النفس من أجل الماضي رغم أنه يطاردك كأنه قطيع من الذئاب الضارية. وكنت وما زلت تتفقد قلبك عندما تفعل أي شيء وتحرص على أن ما تفعله عن حب، وكنت دائما تبذر الشوق ولكن لم تجن سوى الجراح وندبا في الذاكرة.
غادر كرسيه وكأنه يبحث عن إجابات في مكان آخر، لكنه انتبه إلى أن حواره هذا ينجرف به بلا مرساة في بحر شديد التيار. وتساءل: لماذا الآن تزوره كل هذه التساؤلات؟ هل هو الفراغ الذي يسكن يومه أم أنه نادم على شيء؟ والندم هو الخطأ الثاني الذي نرتكبه.
وجد أن حواره لا يصل به إلى حلول من داخل الذات بعد أن تشابكت الأسئلة لديه، وأن العجز في الوصول إلى إجابة مقنعة أنه ليس سوى طائر لا يطير. ابتسم فجأة وتذكر أن سنين عمره مليئة بالحب والنجاح والمغامرة، وحياته تتحمل الأخطاء مثلما تتحمل النجاحات وهي كثيرة، فلماذا يقسو على نفسه؟
بدأ وكأنه يلملم ما بقي من حيوية مشاعره ليقرر مغادرة هذا الغوص في ذاكرة متعبة، وأسرع في فتح ستائر البيت وكانت أشعة الشمس الهابطة في صباح يوم صيفي تخبره أن وقتا جديدا ممنوحا له، فلم العودة إلى يوم مضى ونسيان لحظته الراهنة؟ دون أن يتذكر أن الوقت مخادع وأن السعادة ليست منيعة ودائما هناك شيء ما يفسدها.
راودته فكرة أن يتحكم بما يدور في رأسه، يبعد ما يريد من أفكار ذاكرته ويستدعي أفكارا أخرى أو يتوه في لحظته الراهنة.. وجد أن هذه اللعبة تتلاءم مع حالته، ولكن كيف؟ فكر أن أفضل من يسأله هو الجات جي بي تي.
مثل ما كان السؤال لعبة كان جوابه محيرا: فهو يرى بأن النضج ليس أن تتحكم بالذاكرة، بل أن نتعلم كيف نستقبل ما تحمله إلينا دون أن نفقد توازننا، مثل البحر أمواجه لا تختار دائما ما تحمله إلى الشاطئ، فبعضها يحمل أصدافا وبعضها يحمل أخشابا أتعبتها الرحلات الطويلة، والشاطئ لا يمنع وصول هذا وذاك لكنه يبقى شاطئا يستقبل ما يأتي ثم يدعه يواصل طريقه.
لم يجد في الإجابة ما يعزز فكرته. فالذاكرة ليست طوع أمرها، فهي تفاجئنا بالظهور دون استئذان، قد يوقظها صوت قديم أو رائحة ما أو موقف مضى.. وربما لها حياتها وخصوصياتها، وهي أشبه ما تكون رفيق درب قديم.
هنا تمكنت منه الحيرة وبدا عاجزا عن القدرة على تنفيذ فكرته، وبدأ ذهنه ينتقل من فكرة إلى أخرى كحجر يقفز على بركة مياه. لكن سؤالا فاجأه: أليس الإنسان مجموعة من الذكريات؟ إذا ماتت أو كانت هناك قدرة على مسحها فمن سيكون إذن؟ ألا يتحول إلى إنسان مفصول عن بيئته وأهله وناسه وتائها لا يعرف من يكون؟
أحس أن دوامة هذه الأفكار تعبث به، فالسؤال يولد إجابة والإجابة تولد أسئلة، وأحيانا الإجابة تختلف وفق زاوية النظر إليها أو الموضوع برمته.
خاطب نفسه: أنت يا ريان تائه بين ذاكرتك وحاضرك.
ثم انزوى إلى مكتبته ينظر إلى كتب أصبحت بعيدة عن اهتماماته وأخرى لا تزال قريبة. المكتبة تحتوي على أعداد كثيرة من الكتب، وكل كتاب يمثل نسخة مختلفة من حياتها كان يمكن أن تعيشها لو اتخذت خيارا آخر.
كانت أمام اختبار يبدأ بسؤال: ماذا لو…. تزوجت شخصا آخر؟ ماذا لو انتقلت إلى بلد آخر مختلف وتابعت حلما آخر؟ ماذا لو تركت الصحافة ودرست الطب؟ ماذا لو سافرت خارج العراق؟
الرواية في دلالاتها كشفت له وجها آخر من الصورة أو زاوية أخرى للنظر، ولكن صوتا في داخله يوحي له أن هذه تساؤلات محفوفة بالخطر، فالغوص في “ماذا لو” يفتح بابا للمستحيل ويوقعك في متاهة لا نهائية من الاحتمالات. وربما كان الأجدر به أن يتقبل من يكون وما صنع، لا أن يحاكم ذاته على خيارات مضى زمنها وانتهت.**
اترك تعليقاً