عادل إبراهيم

كاتب وروائي وصحفي

مدونة

أمجد توفيق ومزرعته

أمجد توفيق ومزرعته

كانت احتفالية توقيع رواية (الحيوان وأنا) للسارد أمجد توفيق، والاحتفاء بالرواية وصاحبها من قبل دار الشؤون الثقافية العامة في المعرض الدولي للكتاب في بغداد، فرصة للحصول على نسخة من الرواية، العمل الإبداعي الجديد للأخ والصديق أمجد توفيق.

للسارد أمجد توفيق سفر إبداعي تعددت فيه رواياته وقصصه، منها: طفولة جبل، برج المطر، الظلال الطويلة، الخطأ الذهبي، الثلج الثلج، قلعة تارا، الجبل الأبيض، وروايته قبل الأخيرة ينال، وأعمال أخرى.

ورواية (الحيوان وأنا) تأتي متواصلة مع مسيرة السارد الإبداعية التي يلاحظ فيها التأمل الفلسفي وأسلوبه الرشيق في صياغة أفكاره ولغته المتميزة التي هي من مقومات تحقيق المتعة في رواياته وقصصه. فهو ساحر اللغة التي يوفر لها القدرة على جذب القارئ محققة له المتعة مع الفهم، إضافة إلى ما يطرحه من تساؤلات تكون إجاباتها أسئلة جديدة تبحث عن جواب.

وربما كانت أسئلته محاولة للابتعاد عن كل ما يستنزفه، ويرى أن من المفيد أن يعايش الحياة بسلام. فلا رأي يستحق الانفعال، ولا كل كلمة تستحق الرد عليها، فليس بالإمكان تغيير العالم من حولك لكن بالإمكان التقليل مما يعكر صفو يومك.

هل كان هذا هو التوجه الذي أرادته الشخصية الرئيسية في الرواية؟ الراوي دانيال علي موسى، الضابط المتقاعد السبعيني الأرمل، الذي يترك بيته ويلجأ إلى مزرعة يمتلكها ليجد مساحة من الراحة والابتعاد عن كل ما يعكر صفو يومه:

أنا منهمك بحياتي الخاصة، أحاول تأثيث زمن يومي لا يترك ظلا لم أختره في قلبي… كنت أمنح التأمل قيمة تشبه لمعان عيني فاتنة تحبها في حفلة، لمعان تحس به أنت فقط وهذا ما يمنحه الألق الذي أزعمه.

أنا هنا لست أمارس عملية النقد للرواية.. فهذه حرفة لها أهلها، ولكنها قراءة بسيطة لرواية لا يستطيع القارئ مثلي إلا أن يتمتع بقدرات السارد وبحبكة الرواية وشخصياتها. لذلك سأحاول أن أشير إلى الخطوط الرئيسية في الرواية والتساؤلات التي تثيرها.

ولعل واحدا من الأسئلة: لم يترك دانيال بيته وما اعتاد عليه من حياة وخبرة وأصدقاء ليلجأ إلى مزرعة ليس فيها سوى حيوانات: حصان وكلب ودجاجات وقطط؟ ولم تركيزه على علاقته بالحصان (ظلام) وبالكلب (ليل)؟ هل هي إشارة إلى صفتي الوفاء والصداقة الخالية من الأغراض المسبقة التي يسعى إليها؟

الذي يقرأ الرواية يجد أن دانيال لم يترك منزله فقط وإنما ترك معارفه من الأصدقاء عدا قلة منهم (أبو رامي وأربعة أشخاص آخرين). فهو يرى أن:

لا شيء يمكن أن يؤثر على الدعم المتواصل الذي أتلقاه من المزرعة ومن أصدقائي الحيوانات، لا شكوى في غير محلها ولا رغبات غير مفهومة ولا حالات نفسية عصية على الفهم.

لكن رغم هذه المسوغات للعزلة، فإن معاناته اليومية لم تنته بسبب ذاكرته. ومن منا يستطيع مسح ذاكرته أو استبدالها؟

هذه الذاكرة المتعبة تحيرني، وأود أن أمنحها إجازة طويلة، تكفيني سعادتي بظلام وليل وقططي ودجاجاتي وأشجار مزرعتي… المشكلة إن ما أرغب فيه عصي على النسيان أو التغاضي عنه، فهو يلاحقني وليس من طريقة أو خطة لتفاديه.

هنا هو تحت ضغط الذاكرة وتاريخ من الأفعال والمواقف والتجارب، التي يبدو أن الخلاص منها في مساحة المزرعة والاهتمام بصداقة الحيوانات هي محض محاولة لا تمتلك كل أدوات نجاحها.

موج — ابنة صديقه أبو رامي، الرجل الخمسيني الثري صاحب المحلات الكبيرة — اضطر والدها أن يلجأ بها إلى مزرعة صديقه دانيال، بعد أن تلقى من إحدى العصابات التي تنخر في النسيج الاجتماعي رسالة تطلب فيها مبلغا كبيرا من المال، وإن رفض أو أبلغ الشرطة فإن ابنته موج ستنتظر الاختطاف.

موج في رسالة إلى والدها تركتها حيث كانت تقيم مع صديق والدها، ترى أن دانيال رجل خارج الحياة التي يجب أن تعاش، وربما يكون سنه ووحدته بعد موت زوجته سببين في حالته.

لكن إشراك دانيال في موضوع التهديد الذي تعرض له صديقه أبو رامي، ولجوء ابنته موج إلى المزرعة، قطع على دانيال إمكانية الاستمتاع بخلوته بالمزرعة مبتعدا عن البيئة التي قرر الابتعاد عنها ليشعر بالسلام مع نفسه.

يقول دانيال في وصف حالة أبي رامي:

تحدث أبو رامي، كان حزينا متألما، وخلال حديثه أعاد علي كل ما أعرفه من الانهيار الاجتماعي الذي أعقب الاحتلال الأمريكي للعراق.

هنا إشارة إلى أهم الأسباب التي دفعت دانيال للعزلة واللجوء للمزرعة: الانهيار الاجتماعي.

لكن يبدو أن أبا رامي أعاد دانيال إلى الوسط الذي تركه إلى المزرعة، فها هو أصبح جزءا من التهديد الذي يتعرض له صديقه وابنته:

هاهي المدينة تلاحقني أنا الهارب منها…… صوت الانهيار يطرق بابي وكأنه يقول: لا فائدة. فالفساد كحشرة الأرضة ينخر القلب والروح.

إن موضوع موج، إضافة إلى زيارات أصدقائه القليلين ومنهم أبو رامي، وإشراك الدكتور نبيل ابن الراوي دانيال في موضوع تهديد موج وسفرها إلى لندن حيث يقيم نبيل، شكلت بداية العودة لدانيال لوسطه وبيئته السابقة. فلا فرصة متاحة لوقت طويل للركون للابتعاد.

إضافة لدخول عنصر جديد في عالم المزرعة وهي ذكرى التي وفر لها الدكتور نبيل الفرصة للعيش مع والده دانيال في المزرعة بسبب ظروف اجتماعية مرت بها، ولكسر حاجز العزلة عن والده.

كل هذه العوامل — أبو رامي والعصابة التي تلاحقه وابنته، ووجود المرأة الجديدة في أيام المزرعة، وفشل دانيال في تحييد ذاكرته — دفعت به لفتح نافذة أمام مجريات الحياة خارج المزرعة، خصوصا بعد موافقته السفر إلى لندن تحت إلحاح صديقه أبي رامي لرؤية ولده نبيل والاطمئنان على موج، ثم خطوبة ابنه من ابنة صديقه. وكأن عالما جديدا بدأ يتشكل في حياة دانيال.

والسؤال: هل أراد السارد أمجد توفيق أن يقول إن التعافي مما أصاب المجتمع من انهيار بعد الاحتلال الأمريكي ممكن، ما دام الضرر لا يتحكم في قناعة الناس الذين يؤمنون بالسلام والأمل في حياة أفضل؟

ولعل التساؤل الذي طرحه دانيال في آخر صفحات الرواية — ما الحل؟ — يوضح كثيرا من رؤية السارد، فهو يرى:

لا خطأ هناك إلا إذا فتشت عنه، عندها يمكن أن تجد الأخطاء وستصطاد عيناك الخطأ في كل شيء.. ما الحل؟ ينبغي أن يكون آخر ما نفكر به هو إطلاق حكم أو قناعة. ولتكن قادرا على تخيل نفسك جسرا يمر الكثير من الماء الفاسد أو النقي من تحته، ويمرر الكثير من الفاسدين والأتقياء واللصوص والفقراء والمفكرين من فوقه.

هنا فقدت العزلة قدرتها على أن تكون حلا، في ختام هذه التجربة: المزرعة.

ملاحظة أخيرة: هاجس الموت يمر سريعا في الرواية:

الحيوان في داخلي يرفض الموت بطريقة لم يخترها.

لكنه في نهاية أسطر الرواية يقدم اعترافا أخيرا بأن أهدافه أصبحت كجمرات يكسوها الرماد، إنه يغلفها في طريقه لقتلها. ليختم الرواية:

أنا حر، أنا جاهز للموت.

أقول لأخي وصديقي السارد المبدع أمجد توفيق: أبدعت وقدمت رواية مبهرة تضاف إلى منجزك الإبداعي الكبير.

تعليقات المنشور الأصلي

أرشيف التعليقات كما وردت على المنشور على فيسبوك. المنشور الأصلي

  1. Samir Mizban
    الله يحفظكم اصدقائي الاعزاء والف مبارك تحياتي ومحبتي
  2. Hisham Abdulkareem
    ألف ألف مبارك للسارد الكبير العزيز أمجد توفيق . محبتي لكما
  3. Hind Ahmad
    تحياتي لكما……مع الورد
  4. باسم حمودي
    قراءة واعية متفردة لتجربة الاستاذ امجد في روايته الجديدة التي ستتاح لنا فرصة الاطلاع عليها لنحوض معه تجربته الجديدة المثقلة
  5. Afaf Abdul Rahman Wanna
    تحياتي لكما والف مبارك
  6. عبد المطلب محمود سلمان
    هكذا تكون "القراءة" الكاشفة المفيدة للملتقي بعيداً عن "لف ودوران" النقَدة المتخصصين الذين يحاولون إلباس المَشاهد والحوارات والأفكار ملابس جاهزة. صديقي أبو إبراهيم وفّيتَ الرواية حقها فلك وللمبدع ال(أمجد) محبااااااات دائمة.
  7. Sami Sadoun
    حياكما الله
  8. ياسمين الزبيدي
    موفق السيد مدير عام دار الشوون الثقافيه لااستطيع ان اتخطاك كمدير لي كنت ومازلت بصمه وستبقى ربي يبارك بك مازل توقيعك على كتاب في مرحله معينه انقذ مسيرتي الخدمية ولن ولن انسى فضلكم استاذنا الفاضل
  9. Jamal Nassir
    حياكم الله وبالتوفيق.
  10. سناء النقاش
    الله يحفظكم
  11. امجد توفيق
    صديقي المبدع عادل ابراهيم : أسعدتني قراءتك ، وأسعدني الفهم الذي يترشح عنها ، إنه يضيء شفرات الرواية ويكشف دلالاتها بكثير من الوعي الذي يتجه للقيم الجمالية التي تمنحها الرواية . شكرا جزيلا أيها العزيز سلمت وبوركت ..
  12. Fairooz Barota
    جار العزيز على طول انت مبدعتي كل مجال الحياة ربي يوفقك
  13. Abdulmuneim Hamandi
    أمجد توفيق سارد مدهش له بصمة خاصة في السرد لا يشبه غيره من الروائيين ، تحياتي واعتزازي بكما واسأل الله أن يحفظكم ويسعدكم
  14. علي كيطان السوداني
    قراءه مستفيضه للروايه والراوي أمعنت بالغور بحوادثها وتحليلك الشخصي الذي يوافق الرؤيه للكاتب بقلم عارف مكامن الابداع...فهنيئا لكما وبارك الله بحبل الموده والإخاء الممتد بين الروحين.
  15. صلاح سلمان الحسني
    منورين اساتذة الله يحفظكم
  16. Shamil Sarsam
    تحيات حارة وتباريك للأخ العزيز الأستاذ ابا تميم والأخ الاستاذ عادل وأحلى الأماني لكليكما
  17. مخلص امين
    التالق الدائم
  18. Riyadh Shaba
    ابدعت استاذ ابو ابراهيم ، تحياتي لكما في هذا العناق الجميل
  19. Asim Alhady

    ملصق