عادل إبراهيم

كاتب وروائي وصحفي

مدونة

امجد توفيق و " زمن الأرجوان"

امجد توفيق و " زمن الأرجوان"

إن كنت خائفا فلا تغامر، وإن غامرت فلا تخف.. والمغامرة هنا هي البحث عن فرصة للحياة في مكان للعيش ما بين الحياة والموت، بانتظار المضي قدماً إلى أمام، ولكن نرى في النهاية من يصافح الشياطين ويسير أبعد منهم في الطريق إلى الهاوية المخزية. فتكون أمام مواجهة خياراً بين الحق والباطل، بين الحب والكراهية، وأحياناً بين الحياة والموت، وتصبح مجموع هذه الخيارات هي حياتك.

ترى هل كانت هذه هي حالة آدم الفراتي، الصحفي والكاتب في الخامسة والثلاثين من عمره، ويتمتع بحضور واسع قوامه جدية ما يكتب، وهو يواجه السياسي مسعود الأرجوان، الرجل ذو الحياة الملتبسة والمليئة بمواقف وأفعال ليس لأحد الفخر بها، وهو متهم بعمليات فساد لا حصر لها.

بالتأكيد المواجهة ليست سهلة: صحفي ليس لديه سوى حرصه على الالتزام بمهنية عمله في أجواء سلبية لطبيعة أداء الإعلام الذي لا يفرق بين وظيفة الإعلام ووظيفة الدعاية. وسياسي يريده وسيلة للدعاية لكي يغطي على أفعاله وفساده المشين وتاريخه المزيف.

تلك هي المواجهة الصعبة التي يضعها أمامنا السارد أمجد توفيق في روايته “زمن الأرجوان”، من منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق / الطبعة الأولى 2024. والتي تزينت بلوحة الغلاف للفنان خالد جلل، وتصميم الفنان نصير لازم، وهي تأتي بعد 24 كتاباً في القصة والرواية والنقد بدءاً من عام 1974، ومازال إبداعه متوهجاً بانتظار إصدار مجموعة قصصية جديدة له قيد الطبع.

في بداية الرواية يضعنا أمجد توفيق أمام مدخل مهم ليكون مفتاحاً للدخول إلى الرواية عندما يكشف أن الكلمة لا تفعل فعلها إلا عندما تسمع أو تقرأ.. هي ليست زهرة لتشمها أو تتأمل جمالها.. وليست نهراً لتبحث عن أعمق نقطة فيه.. ولا قشرة جوز قاسية لتكسرها.. ولا فاكهة طرية لتقشرها أو تعصرها.. وليست سماً لتجرب تأثيرها.. إنها كل ذلك وهذا هو سرها وسحرها.. ليصلنا إلى خلاصة: الكلمة الصادقة في حلف وثيق مع الجمال والحب.

الحب الذي تجسد في الرواية بعلاقة الصحفي آدم الفراتي مع مقدمة البرامج التلفزيونية ميادة، والتي ستكون شريكته في الحب وفي مواجهة كل أساليب الخبث والعدوانية للسياسي الأرجوان. لقاء آدم وميادة كان في بدايته بطلب من الأرجوان الذي كانت من ضمن أملاكه قناة تلفزيونية تعمل بها ميادة، وتُكلف بإجراء مقابلة تلفزيونية مع الصحفي آدم، في محاولة من الأرجوان أن يمد العلاقة مع الصحفي لتغيير مسار توجهاته وإغرائه للعمل لصالح إصدار كتاب مذكرات للأرجوان يلمع به صورته البشعة.

لكن رفض الصحفي للقاء التلفزيوني، أتاح للصحفي وميادة أن يشكلا ثنائياً ناجحاً في مواجهة هذا الأخطبوط الفاسد الذي لا يتردد في خطف وقتل من يكشف جرائمه وزيف مواقفه.

لقاء آدم وميادة تم صدفة، ومن مجريات الرواية ندرك أن بعض الناس نلتقيهم صدفة أو بمناسبة معينة لكنهم يتركون في روحنا وهجاً من الحب والجمال. لذلك نرى تطوراً في العلاقة بين الاثنين لتنتهي بالزواج في نهاية الرواية، بعد سلسلة من المواقف والمواجهات الصعبة مع الأرجوان، تبدأ بإنهاء عمل ميادة في قناته التلفزيونية وصولاً إلى كشف دور الأرجوان في اختطاف وقتل أحد شباب تشرين في ساحة التحرير، ومحاولة اغتيال الصحفي آدم بعد اختطافه والدور الشجاع لميادة في نجاتهم.

السارد أمجد توفيق، يأخذنا برحلة شيقة وجميلة لعلاقة الحب بين الصحفي آدم وميادة. وفي الرواية العديد من المواقف التي تعبر عن أحقية وشجاعة موقف الصحفي في مواجهة الأرجوان، لكنه لم يكن شجاعاً بلا خوف فهو يدرك أنه بلا خوف لا تكتمل الشجاعة. كما أنه يرفض أن يستخدم أدوات الشيطان للقيام بأعمال الرب. لذلك نرى أنه يكتب على حاسبته:

في مسلسل الرذيلة العالمي لا الأديان كانت كافية للجم شهية القتلة ولا القوانين صانت حرية البشر… ولماذا تكون الجهود البريئة محكومة بعنصري السلطة والمال؟

الرواية تهدف فيما تهدف إليه لكشف أسرار هذا التساؤل الأخير وهي تقدم صورة لما تعرضت له انتفاضة تشرين من قتل وحالات اختطاف واختفاء قسري. وتقدم نموذجاً لذلك اختطاف سيف وهو أحد الناشطين في انتفاضة تشرين والذي عُثر على جثته بعد أسبوع من اختطافه وكان وراء ذلك الاختطاف والقتل الأرجوان الذي كشف سيف زيف مواقفه وفساده.

في رواية “زمن الأرجوان” هل أراد السارد أمجد توفيق أن يعزز في عقولنا:

  • إن الريح لا يمكن أن تقهر الأشجار ذات الجذور القوية
  • وإن الكلمة أسيرة الرجل إذا تكلم بها صار في وثاقها
  • وبأننا يجب أن لا نلوم الأفعى لأن لها أنياباً
  • وإن الحياة العادية طريق سهل، ولكن لا تنبت فيه الزهور أبداً

زمن الأرجوان رواية مهمة تستحق القراءة وكشف لكل ما هو قبيح وسيء وعدوانية أصابت أيامنا، وإنارة لطريق الحب والجمال، وهي إضافة للسفر الإبداعي الكبير للسارد والصديق أمجد توفيق.

تعليقات المنشور الأصلي

أرشيف التعليقات كما وردت على المنشور على فيسبوك. المنشور الأصلي

  1. امجد توفيق
    العزيز المبدع عادل إبراهيم : إذا كانت قراءتك تحمل كل هذا الوعي وملاحقة الدلالات فإنها مفعمة بروح محبة ومشاعر نبيلة ايضاً.. أيها العزيز : ليس لنا سوى أن نقول كلمة حق ، وهو بالضبط ما ترشح عن قراءتك الذكية المتميزة .. الشكر والمحبة لك ..
    1. عادل ابراهيمالكاتب
      امجد توفيق محبتي لك اخي وصديقي ابا تميم ..انت سارد كبير ونتاجك الابداعي يستحقق كل الاهتمام والمتابعة ..دمت مبدعا
  2. اكرم توفيق اسماعيل
    محبتي لكما
    1. عادل ابراهيمالكاتب
      أكرم توفيق ولك الاشتياق
  3. عبد المطلب محمود سلمان
    أعطيت الرواية حقها بهذه القراءة وهذا العرض الوافي لتفاصيلها.. لك خالص المحبة صديقي الاستاذ عادل ومثلها لمبدع الرواية أمجد توفيق.
    1. عادل ابراهيمالكاتب
      عبد المطلب محمود العبيدي شكرا لجمال كلماتك ايها العزيز الدكتور عبد المطلب
  4. د.احمد دخيل النقيب
    بورك قلمك الماسي، روايتك زمن الأرجوان أضاءت دروب الإبداع......تحياتي لكما
    1. عادل ابراهيمالكاتب
      د.احمد دخيل النقيب شكرا لك ولمرورك الجميل
  5. محمود خيون
    ابدعت واجدت التحليل لعمل روائي متميز ولكاتب جميل...خالص تمنياتي لكليكما...
    1. عادل ابراهيمالكاتب
      محمود خيون هذا بعض مما عندكم ايها العزيز
  6. Burhan Ali
    رواية رائعة جدا وفيها الكثير من المعاني للتمعن بقرائتها بوركت أناملك الجميلة استاذ امجد
    1. عادل ابراهيمالكاتب
      Burhan Ali وبوركت كلماتك الجميلة ايها العزيز
    2. Burhan Ali
      عادل ابراهيم ربي يحفظك ويسعدك
  7. ستار زكم
    زمن الارجوان من الروايات المهمة جدا لذلك تستحق هذا الجهد المعرفي من قبل الناقد عادل ابراهيم تحية وتقدير لكما .
    1. عادل ابراهيمالكاتب
      ستار زكم لك المحبة لاهتمامك الجميل مع اطيب التحيات
  8. أبراهيم خليل
    أحسنت أستاذ عادل اعطت للرواية حقها من التحليل وللأديب امجد توفيق حقه في الكتابة لكما طولة العمر
    1. عادل ابراهيمالكاتب
      أبراهيم خليل دمت كبيرا واخا عزيزا وشكرا لمرورك الحميل
  9. Fairooz Barota
  10. يسرى الحسيني
    تحليل منطقي متميز ولكاتب الرواية التوفيق والسداد كلما كانت أحداث الروايةتبشر بصيص أمل للقارئ ولواقع الحياة الراهن يكون لها جماهيرية تفوق عهد النهضة بعد زمن الاستعمار البغيض.
    1. عادل ابراهيمالكاتب
      يسرى الحسيني ملاحظة مهمة وتعبير عن دقة في اهمية العمل الابداعي ومدى تحسسه لمتغيرات الواقع ..شكرا مع الاعتزاز
  11. عبد العظيم محمد
    رحلة نقدية ممتعة للمبدع عادل ابراهيم وهو يتجول بين صفحات رواية غير اعتيادية للسارد الكبير أمجد توفيق ليوثق لنا تلك الرحلة ( الارجوانية ) التي كشفت الكثير من الدلالات لفترة حملت معها ما حملت من وجع وقهر لواقع بائس بطله الفاسد والمتسلق .. تحية لكما ناقدا وساردا
  12. عادل ابراهيمالكاتب
    شكرا لك ايها الكبير انسانا ومبدعا وكاتبا مع محبتي
  13. فاطمة الربيعي
    تحياتي للاديب الكبيرامجد توفيق والمحلل للاحداث ولشخصيات الروايه الجميله والمهمه المبدع عادل ابراهيم اتمنى ان تتحول الى مسلسل درامي ليبقى في ذاكرة وضمير المشاهد .احترامي واعتزازي بكم
    1. عادل ابراهيمالكاتب
      فاطمة الربيعي شكرا لك فنانتنا الكبيرة حضورا وتألقا وابداعا ..سررت بكلماتك واضم صوتي لمقترحك بأن تتحول الرواية الى مسلسل درامي ..دمت بخير وسعادة مع محبتي واعتزازي.
  14. Alhattab Jawad
    أبو إبراهيم الغالي ساردا وناقدا وانسانا رائعا بمثل هذه القراءة التي شوقتنا فيها إلى الرواية إعجاب بالروائي الكبير امجد توفيق واعجاب بباقة ورد لجنابك.
    1. عادل ابراهيمالكاتب
      Alhattab Jawad دمت كبيرا ايها الحطاب جواد الشاعر الكبير والانسان النبيل الوفي لقيمه ولأصدقائه ..أسعدتني كلماتك واسعدني مرورك ..لك محبتي واشتياقي.